تدخل الجزائر مرحلة مفصلية في مسار تحديث مؤسساتها، مع إطلاق حزمة جديدة من الخدمات العمومية الرقمية، في خطوة وُصفت بأنها بداية فعلية لإنهاء عصر الطوابير الإدارية والوثائق الورقية، وبناء إدارة عصرية تعتمد على التكنولوجيا والسرعة والشفافية.
هذه الديناميكية الجديدة، التي تقودها المحافظة السامية للرقمنة، تعكس توجها استراتيجيا نحو إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والإدارة، من خلال رقمنة الخدمات وتبسيط الإجراءات، في سياق التحول العالمي نحو الحكومات الرقمية.
19 خدمة رقمية… بداية التحول الكبير
تشمل المرحلة الأولى إطلاق 19 خدمة رقمية عبر البوابة الوطنية للخدمات العمومية، تتيح للمواطنين استخراج وثائق أساسية مثل شهادة الميلاد والزواج والوفاة، إضافة إلى متابعة الملفات الإدارية وطلب الوثائق عن بعد، دون الحاجة إلى التنقل بين الإدارات.
هذا التحول يمثل، عمليا، بداية نهاية التعقيدات الإدارية التقليدية، حيث أصبحت خدمات كانت تستغرق أياما متاحة اليوم بنقرة واحدة.
المحافظة السامية للرقمنة…قيادة التحول
تضطلع المحافظة السامية للرقمنة بدور محوري في هذا المشروع، من خلال توحيد الأنظمة الرقمية، وتطوير البنية التحتية للبيانات، وإنشاء منصات موحدة تسمح بتبادل المعلومات بين مختلف المؤسسات.
وفي هذا الإطار، يرى البروفيسور والخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي أن “نجاح الرقمنة في الجزائر مرتبط بقدرة الدولة على بناء منظومة متكاملة لتبادل البيانات، وهو ما يشكل العمود الفقري لأي إدارة حديثة”.
الرقمنة…محرك اقتصادي جديد
لا تقتصر أهمية هذا التحول على الجانب الإداري فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني، حيث تسهم الرقمنة في تسريع الإجراءات المرتبطة بالاستثمار، وتقليص التكاليف، وتحسين مناخ الأعمال.
ويؤكد البروفيسور الهواري تيغرسي أن “الإدارة الرقمية تمثل رافعة اقتصادية حقيقية، لأنها تقلص الزمن الإداري وتمنح المستثمر رؤية واضحة وسريعة، وهو عنصر حاسم في جذب الاستثمارات”.
وتشير تقديرات دولية إلى أن رقمنة الخدمات يمكن أن تخفض التكاليف الحكومية بنسبة تصل إلى 30٪، مع تحسين جودة الأداء العمومي.
نحو دولة رقمية شاملة
ورغم أهمية هذه الخطوة، إلا أنها تمثل بداية فقط لمسار أوسع، يتطلب إطلاق الهوية الرقمية، وتعميم الدفع الإلكتروني، وربط قواعد البيانات بين مختلف الإدارات.
وتشير التوقعات إلى أن الجزائر تمتلك مئات الخدمات القابلة للرقمنة خلال السنوات المقبلة، ما يفتح المجال أمام تحول شامل نحو إدارة رقمية متكاملة.
وفي هذا السياق، يشدد البروفيسور الهواري تيغرسي على أن “الرهان الحقيقي ليس في رقمنة الخدمات فقط، بل في تغيير ثقافة الإدارة نحو نموذج يعتمد على الكفاءة والسرعة والشفافية”.
2030…ملامح الإدارة الجديدة
إذا استمرت وتيرة الإصلاحات الحالية، قد تشهد الجزائر بحلول 2030 تحولات نوعية، من بينها حساب رقمي موحد لكل مواطن، واستخراج أغلب الوثائق إلكترونياً، وتقليص الحاجة إلى التنقل للإدارات بشكل كبير.
تحول استراتيجي لا رجعة فيه
يمثل هذا المشروع أكثر من مجرد تحديث تقني، بل هو تحول عميق في فلسفة تسيير الدولة، حيث تصبح الرقمنة أداة أساسية لتعزيز الشفافية وتحسين جودة الخدمات.
وبين تسريع الإجراءات وتقريب الإدارة من المواطن، تضع الجزائر نفسها على مسار واضح نحو بناء دولة رقمية حديثة، قادرة على مواكبة التحولات العالمية وتعزيز تنافسية اقتصادها.
في هذا السياق، لم تعد الرقمنة خيارا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية ترسم ملامح الجزائر الجديدة.







